الجيش الانكشاري كان أحد أبرز الأعمدة التي قامت عليها الإمبراطورية العثمانية واستمرت في دعمها لفترات طويلة. اشتهرت بكونها قوة عسكرية مُحكمة التنظيم وذات ولاء مطلق للسلطان العثماني. تأسس الجيش الانكشاري ليكون العمود الفقري للجيش العثماني واستمر لعقود طويلة في تعزيز نفوذ الإمبراطورية داخليًا وخارجيًا. في هذا المقال، سنستعرض تفاصيل هذا الجيش، بداية من نشأته وحتى نهايته، لنعرف كيف كان يؤثر على الدولة العثمانية سياسيًا وعسكريًا.
نشأة الجيش الانكشاري
تأسس الجيش الانكشاري في القرن الرابع عشر الميلادي، في عهد السلطان مراد الأول، كجزء من مؤسسات الدولة العثمانية الحديثة. وقد كانت وظيفته الأساسية هي تكوين جيش قوي ومحترف يعتمد عليه السلاطين في الفتوحات والحروب. الاسم "الانكشارية" مشتق من التركية "يني تشري" والتي تعني "الجنود الجدد". هؤلاء الجنود تم اختيارهم بعناية من أبناء الأسر المسيحية تحت نظام عُرف بـ"الدوشيرمة".
بموجب هذا النظام، كان يتم تجنيد الصبية المسيحيين من المناطق الخاضعة للإمبراطورية، حيث يتم تربيتهم وتدريبهم ليصبحوا جنودًا محترفين ومخلصين للسلطان وحده. كانت الفكرة قائمة على فصل هؤلاء الجنود عن عائلاتهم ومجتمعاتهم الأصلية ليكرِّسوا حياتهم بالكامل لخدمة الإمبراطورية والسلطان.
كان الدور الأساسي للجيش الانكشاري هو تشكيل جيش احترافي مدرب على فنون القتال، ويعمل وفق نظام واضح ومنظم. كان الجنود يتدربون بشكل يومي على استخدام الأسلحة والتكتيكات الحربية الحديثة آنذاك، مما جعلهم في مقدمة القوات العسكرية في القرون الوسطى.
تنظيم الجيش الانكشاري
كان التنظيم العسكري للانكشاريين فريدًا من نوعه مقارنة بغيره من الجيوش في ذلك العصر. جاء هذا التنظيم على شكل فرق ووحدات صغيرة، حيث يتم تقسيم الجيش إلى كتائب تعرف باسم "الأورطة"، وكل كتيبة تتبع تسلسل قيادة محدد. كان يتم تعيين قادة لكل وحدة بناءً على الخبرة والمهارة والكفاءة.
أما بالنسبة للتراتبية العسكرية، فكان الجيش يقوده "الأغا الكبير" (Ağa) وهو القائد العام للقوات الانكشارية. إلى جانب ذلك، تم إنشاء نظام صارم من المكافآت والعقوبات للحفاظ على الانضباط وضمان تنفيذ الأوامر من دون تردد. هذا المغرب الحربي المتماسك جعل الجيش الانكشاري واحدة من أكثر القوى العسكرية كفاءة في تلك الحقبة.
بالإضافة إلى الانضباط، كان الانكشاريون يحصلون على امتيازات مالية واجتماعية لم تمنح لغيرهم. كانوا يعيشون في مساكن خاصة بهم، بعيدة عن الحياة المدنية لضمان حصر ولائهم لقيادة الجيش والسلطان فقط. كما كانوا يحصلون على رواتب منتظمة، بالإضافة إلى مكافآت خاصة خلال الفتوحات والحملات العسكرية الناجحة.
دور الجيش الانكشاري في توسع الدولة العثمانية
منذ تأسيسه، لعب الجيش الانكشاري دورًا كبيرًا في توسيع الأراضي العثمانية. فقد كانوا رأس الحربة في الكثير من المعارك الهامة مثل معركة نيقوبوليس (1396) ومعركة فارنا (1444) التي شهدت انتصار العثمانيين على القوى الأوروبية. كذلك، كانوا حاضرين بقوة خلال حملة فتح القسطنطينية تحت قيادة السلطان محمد الفاتح، وهي من أكبر الإنجازات التاريخية في تاريخ الإمبراطورية.
وبفضل مهاراتهم العسكرية والتكتيكات التي طبقوها في أرض المعركة، كانوا قادرين على التعامل مع أعداء يفوقونهم عددًا أحيانًا. إلى جانب ذلك، شملت مسؤوليات الانكشاريين الدفاع عن المناطق الحدودية، والمشاركة في الحملات البحرية ضد الإمبراطوريات الأوروبية.
ولأن الجيش الانكشاري كان يشكل جزءًا لا يتجزأ من نظام الدولة، فقد استفادت الإمبراطورية من خبراتهم ليس فقط في الحروب بل أيضًا في إدارة بعض الشؤون الداخلية المتعلقة بالأمن والنظام. كما تم الاعتماد عليهم في تسيير مهام القضاء والوصول إلى بعض المناطق النائية لتوسيع سيطرة الدولة.
الأزمات والتحديات التي واجهها الجيش الانكشاري
مع مرور الوقت، بدأ الجيش الانكشاري يعاني من عدة تحديات أثرت سلبًا على أدائه. أولى هذه المشكلات تمثلت في التحول التدريجي عن النظام العسكري الاحترافي الذي ميّزهم في بداية الأمر. فقد أصبح الانضمام إلى الجيش متاحًا لمن هم أقرباء الانكشاريين، بدلاً من اختيار الجنود عن طريق "الدوشيرمة". هذا التغيير قلل من مستوى التدريب والكفاءة التي عرف بها الجيش الانكشاري سابقًا.
التحدي الآخر تمثل في تنامي قوة الانكشاريين داخل الإمبراطورية، حيث أصبحوا يشكلون تهديدًا مباشرًا لسلطة السلاطين. فقد تدخلوا بشكل متزايد في الشؤون السياسية، وقاموا بالعديد من الثورات والتمردات لفرض آرائهم. أبرز الأمثلة على ذلك هي الثورة التي أطاحوا فيها بالسلطان عثمان الثاني عام 1622، بعد محاولته تقليص نفوذهم وإصلاح النظام العسكري.
كما ساهمت العوامل الاقتصادية والاجتماعية في تراجع هذه القوة. ففي فترة لاحقة، بدأ الانكشاريون يبتعدون عن دورهم العسكري الأساسي ليمارسوا أنشطة تجارية وزراعية، مما جعلهم يهملون التدريب والانضباط العسكري. بالإضافة إلى ذلك، أثرت الحروب المتكررة على الموارد الاقتصادية للدولة، مما جعلها غير قادرة على تلبية التكاليف المرتفعة لرواتبهم ومكافآتهم.
نهاية الجيش الانكشاري
مع منتصف القرن التاسع عشر، أصبح الجيش الانكشاري عبئًا على الإمبراطورية بدلاً من كونه دعامة لقوتها. تحت حكم السلطان محمود الثاني، وبعد عدد من المحاولات لإصلاح النظام العسكري وفشل تلك المحاولات، تقرر في النهاية القضاء على الجيش الانكشاري نهائيًا. عرفت هذه الحادثة بـ"الواقعة الخيرية" (1826)، حيث تم شن حملة عسكرية على معسكرات الانكشاريين وتم القضاء عليهم نهائيًا.
حل محل الجيش الانكشاري نظامًا عسكريًا حديثًا يعتمد على التجنيد الإجباري، وهو ما ساعد الإمبراطورية على مواكبة التطورات العسكرية التي شهدها العالم في ذلك الوقت. ورغم نهاية الجيش الانكشاري كقوة عسكرية، إلا أن تأثيره التاريخي لا يزال محسوسًا في التاريخ العثماني وتراث الإمبراطورية.
الخاتمة
كان الجيش الانكشاري أحد أعظم النماذج العسكرية في التاريخ، إذ مكن الإمبراطورية العثمانية من تحقيق انتصارات كبيرة وتوسيع أراضيها بشكل لافت. رغم ذلك، فإن التحولات التي شهدها الجيش والانحراف عن أهدافه الأصلية أدت إلى تراجعه ونهايته. يمثل الجيش الانكشاري درسًا هامًا لأي قوة عسكرية تدرك ضرورة الحفاظ على كفاءتها وانضباطها لتجنب التدهور.
#الجيش_الانكشاري #الدولة_العثمانية #التاريخ_الإسلامي #الفتوحات_العثمانية #التاريخ_العسكري
