يُعتبر الشاعر السوري نزار قباني إحدى الأساطير الأدبية والشعرية التي صنعت بصمتها العميقة على الأدب العربي. ومن بين الموضوعات الكثيرة التي تناولها نزار قباني، كان للوطن مكانة خاصة في قصائده، حيث ترجم حب الوطن وهمومه ومآسيه إلى أبيات شعرية تُلامس الروح وتُحرك المشاعر. في هذا المقال، نستعرض أجمل قصائد نزار قباني عن الوطن، والتي حملت بين طيّاتها الأمل والغضب والحب والانتماء.
نزار قباني: الشاعر الدبلوماسي وصوت الوطن
بدأ نزار قباني مسيرته شاعراً شاباً يغوص في بحور الحب والإنسانية، لكن روحه الدبلوماسية وتجربته الحياتية دفعته نحو حمل هموم الوطن العربي. لم يكن نزار مجرد شاعر عاطفي يرسم الكلمات بقالب شاعري، بل كان مفكراً ناقداً وصوتاً ثوريًا يمثل تطلعات الشعوب العربية وأوجاعهم الوطنية.
أبدع نزار قباني في صياغة الكلمات التي تتغنى بحب الوطن ومآسيه. بين مفرداته نجد معاني تتحدث عن الحنين، والغربة، والحرية التي يسعى الإنسان العربي لتحقيقها. كما قدم نقداً لاذعاً لبعض الأوضاع السياسية والاجتماعية التي تشهدها الدول العربية، مستخدماً أسلوباً ساخراً أحياناً وشديداً أحياناً أخرى. وعبّر قباني دائماً عن مخاوفه الوطنية، عن أحلامه بوطن عربي موحد، وعن أحزانه الوطنية في قصائده التي قدمها على مدار عقود طويلة.
قصيدة "خبز وحشيش وقمر"
تعتبر قصيدة "خبز وحشيش وقمر" إحدى أبرز قصائد نزار قباني التي تناولت قضايا مجتمعية وسياسية بجرأة. في هذه القصيدة، ينتقد قباني وضع الإنسان العربي وطموحه البسيط لتحقيق حياة كريمة في ظل التحديات المزمنة. يقول في مطلعها:
عندما يُولد في الشرق القمر
فالسطوحُ البيضُ تغفو تحت أشجار السحر
يترك الناسُ لياليهم ويغنون ويستغفرون
تظهر في القصيدة الملامح الوطنية التي تُعبّر عن الحزن والغضب تجاه أوضاع المجتمعات العربية، ويبرز الصراع بين الحلم والألم الذي يعاني منه الوطن العربي.
قصيدة "بلقيس" وألم الحرب
قصيدة بلقيس ليست فقط قصيدة عن حب الزوجة التي فقِدها نزار قباني إثر تفجير السفارة العراقية في بيروت، بل تحمل بين كلماتها رسالة وطنية تسلط الضوء على الحروب والصراعات التي أدت إلى تشريد الملايين. يستهلها قائلاً:
شُكراً لكم
شُكراً لكم
فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوُسْعِكُم أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدهْ
اختلط في هذه القصيدة الألم الشخصي مع معاناة الوطن العربي بأكمله. وكانت بمثابة صرخة تُدين الحروب والصراعات التي تُدمر الوطن ولا تحترم إنسانية الإنسان.
نزار قباني وغربة الوطن
لم تكن فقط الحروب هي ما أرقت نزار قباني، بل حتى غربة الإنسان العربي داخل وطنه. يعد الشعور بالغربة الداخلية أشدّ ألماً على الإنسان، وقد عبّر نزار عن هذه الغربة في عدة قصائد، منها قصيدة "هوامش على دفتر النكسة"، التي كتبها بعد نكسة 1967. في هذه القصيدة يسبر نزار أغوار النفس العربية التي فقدت الثقة والأمل نتيجة الهزيمة:
إذا خسرنا الحربَ لا غائبٌ يُلام
لأننا دخلناها
بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهب الخطابةِ
يتناول نزار هنا أوضاع الشعوب والقيادات العربية، ويبرز تقصير الجميع في إنقاذ الوطن وتحقيق الأهداف الوطنية. فهو يلتقط الواقع بدقة وواقعية شديدة، مستخدماً أسلوباً لاذعاً في التعبير عن خيبة الأمل.
الوطن في قصيدة "المهرولون"
قصيدة "المهرولون" من القصائد التي شكّلت صدمة كبيرة عند صدورها. يتحدث فيها نزار عن الخضوع والهزيمة التي أصابت الدول العربية في تعاملها مع الأحداث الكبرى التي شكلت مصير الوطن العربي. في هذه القصيدة، عبّر عن فقدان الكرامة العربية بطريقة تعكس إحباطه ورفضه للوضع القائم:
في زمان النفط
ما عاد بشعرنـا
ما يُشتــرى أو يُفتنى
صارتْ القصيدة
ورقاً..
تشكل القصيدة انعكاساً لما آل إليه حال الوطن العربي في ظل التبعية والانكسار. يجيد نزار هنا استخدام الأسلوب الساخر لكشف الحقائق المؤلمة بأسلوب يلامس عمق الشعور الوطني.
نزار قباني والحنين إلى دمشق
لا يمكن الحديث عن قصائد نزار قباني الوطنية دون التطرق إلى عشقه الكبير لمسقط رأسه، دمشق. كان لنزار ارتباط عاطفي كبير بالعاصمة السورية دمشق، وظهر ذلك واضحاً في العديد من قصائده التي عبر فيها عن حنينه واعتزازه بهذه المدينة. ومن أشهر قصائد نزار عن دمشق، قصيدة "يا دمشق لماذا أزرعها؟" التي يقول فيها:
هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ
إنّي أحبّ وبعـض الحبّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرحتمُ جسدي
لسالَ منهُ عناقيـدٌ وتُفّـاحُ
تحمل هذه الأبيات مشاعر صادقة تنبع من عاطفة نزار الجياشة نحو عاصمة الياسمين. ففي كل حرف نجد شذرات من الألم والفخر والاعتزاز بهذا الوطن الذي حمل في قلبه ذكريات الطفولة والماضي العتيق.
ختاماً: إرث نزار قباني في حب الوطن
يظل نزار قباني أيقونة شعرية لا يمكن نسيانها. فهو كتب عن الوطن العربي بحب لا حدود له، وبتفانٍ يتجاوز الحدود. وبينما كان ينتقد السياسات وينقل مشاعر الألم، كان أيضاً يُعبّر عن الأمل في غدٍ أفضل. إن قصائده عن الوطن ستظل باقية بأبعادها الوطنية والإنسانية، مما يجعلنا نُعجب بهذا الشاعر الذي اجتمع فيه الفن والحنين والحقيقة.
```
